حسن الأمين

335

مستدركات أعيان الشيعة

لذلك كانت تقف كثيرا وتسير قليلا . فكان ذلك كله سببا في ادراك العدو لهم وهم في النهر ، وقد صوب نحوهم قذائفه ، وحلقت فوقهم طائراته . فرأوا أن يتفرقوا في الباخرة والمركبين ولا يجتمعوا في مكان واحد ، لئلا يرموا رمية واحدة فيستشهدوا جميعا في وقت واحد . فنزل السيد مهدي وأنجاله الثلاثة ، وابن أخيه السيد عبد الكريم ، وابن عمه السيد عبد الحسين في مركب اليمين ، ونزل السيد مصطفى الكاشاني ومن معه في مركب اليسار ، وبقي شيخ الشريعة ومن معه في الباخرة نفسها . ولما علم زعماء القبائل الواقعة على ضفاف النهر بوجود السيد مهدي في المركب ورأوا العدو قد قارب منه ، أرسلوا زورقا صغيرا ليقله إلى الساحل ، وبعد التردد الطويل نزل في الزورق مع أولاده وابن عمه . وقد طرحوا في المراكب جل أسلحتهم إلا السيد عبد الحسين الحيدري فبقي على أهبته واستعداده وقد لبس لامة حرب كاملة ، فلما استقر بهم الزورق ، وهم بالسير ، رمى اثنان من الجنود وواحد من المجاهدين بأنفسهم إلى ذلك الزورق من شدة خوفهم وفزعهم ، لينجوا من الموت ، فانقلب الزورق بمن فيه وبينهم السيد مهدي نفسه وبعد جهد جهيد أمكن إنقاذه ومن معه والخروج بهم إلى الشاطيء قبيل المغرب . وأما السيد عبد الحسين الحيدري وقد كان مدججا بالسلاح فعاص في الماء ولم يجدوا له أثرا . أما السيد مهدي وانجاله فإنهم بعد أن استراحوا قليلا من عناء هذه المشقات والأهوال ، دخلوا في قلعة هناك وأقاموا فيها صلاة المغرب والعشاء ، ثم رأوا أن المصلحة في مواصلة السير لأن العدو يجد السري في طلبهم ، وياسر كل من يصادفه منهم . وكان الطريق وعرا موحلا ، وكله مياه وجداول ، والسيد مهدي شيخ كبير ، وقد هدت الحرب قواه ، وانهكت الأحداث جسمه . وكان معهم في ساحة الحرب « السيد هاشم الشوشتري النجفي » وعنده زورق جاء به مع أصحابه حين الانسحاب فمر زورقه بتلك القلعة في ذلك الوقت ، فأخبره رجل من الاعراب بما جرى على السيد ومن معه في النهر ، ونزوله في هذا الساحل ، ودخوله في القلعة . وأنه الآن فيها مع انجاله يريدون السير ، ويمنعهم من ذلك شدة الوحل وكثرة المياه ، فوصل إلى السيد واركبه وانجاله في زورقه ، ثم أخبرهم بان السيد مصطفى الكاشاني قد انفصل مركبه من الباخرة وانحدر به مع الماء إلى جهة العدو ، والتقى زورقي به عن طريق الصدفة ، فنقتله إلى احدى السفن التي [ تقل ] نقل عددا كبيرا من المجاهدين . فقال له السيد راضي « ان هذه البواخر معرضة للاسر لأنها بطيئة السير ، والعدو جاد في طلبها ولكن الرأي أن نأتي به معنا في هذا الزورق ، فإنه أقرب إلى النجاة لخفته وسرعته » فاستصوبوا هذا الرأي وذهبوا إلى السفينة ونقلوا السيد الكاشاني معهم ، وجدوا في السير حتى وصلوا إلى منطقة اسمها « أبو روبة » قبيل الفجر ، وهي تبعد عن « قلعة صالح » ثلاثة فراسخ . اما شيخ الشريعة الاصفهاني - فإنه بقي في الباخرة مع أصحابه إلى الساعة الرابعة - غروبية - من الليل ، وهي بطيئة السير ، كثيرة الوقوف ، فخافوا أن يدركهم العدو ، فانتقلوا منها إلى الساحل ، وساروا على حافة النهر إلى قريب الفجر ، فمروا بأحد الأهوار فأرادوا عبور النهر إلى الجانب الآخر حيث يوجد السيد مهدي وأصحابه ، فصادفوا زورقا صغيرا لا يسعهم مرة واحدة ، فقرروا التناوب في العبور ، فاركبوا - في النوبة الأولى - شيخ الشريعة ، والميرزا محمد رضا نجل الشيرازي ورجلين آخرين من أهل العلم . وبينما هو يسير بهم وقد قاربوا الجانب الآخر إذ نفذ فيه الماء وغرق بمن فيه . ومن المصادفات العجيبة ان يكون السيد راضي نجل السيد مهدي واقفا هناك في تلك اللحظة وقد سبق أصحابه إلى هذا المكان ليستريح فيه هنيهة ، فلما رأى الحادث بعينه ، وعلم أن فيه شيخ الشريعة ، القى بنفسه في الماء واستنقذ الشيخ وأصحابه وجاء بهم إلى الساحل . ، وكان الشيخ يلقبه بعد هذه الحادثة بمحيي الشريعة . وبينما هو كذلك إذ وصل إليه والده واخوته ، فلما رأوه بهذه الحال ظنوا أنه سقط في الماء مرة ثانية ، فأخبرهم بالخبر فشكروا الله على السلامة . وهناك اجتمع الأقطاب الثلاثة : « السيد المهدي ، وشيخ الشريعة ، والسيد الكاشاني » وجلسوا جميعا للاستراحة برهة من الزمن ، ثم ركبوا زورقهم وساروا حتى طلعت الشمس وأسفر الصباح ، فرأوا العدو قريبا منهم ، وأنه سيدخل « قلعة صالح » وشيكا ، فعدلوا عن مواصلة السير إلى القلعة - وكانوا على مقربة منها - وجعلوا سيرهم على منازل القبائل في الأهوار يتنقلون بين شيوخها ورؤسائها ، من « خريبط بن فالح الصيهود » إلى « عبد الكريم بن صيهود » ومنه إلى « مطلق الخليفة » ثم إلى « مجيد الخليفة » ثم إلى أخيه « حمود الخليفة » ومنه إلى « محمد وشواي » وهما من شيوخ « آل ازيرج » . وما زالوا يتنقلون بين تلك المنازل والقبائل حتى وصلوا إلى « آل دراج » ، ثم دخلوا في « الجزيرة » التي تفصل بينهم وبين « مياح » وهي قبيلة « محمد الياسين » وقد اجتازوها ليلا بكل مشقة ، وطولها يقارب الاثني عشر فرسخا . وقد التحق بالسيد مهدي عند اجتيازه هذا الطريق كثير من المجاهدين ، وبعض الضباط والجنود العثمانيين الذين لاذوا بالسيد خوفا من القتل والأسر والسلب ، وبينهم قائم مقام « قلعة صالح » مع عائلته . وكانت سيرة السيد مهدي في هذه المسيرة ولا سيما في تلك الجزيرة أن يركب ساعة وينزل أخرى حتى يتلاحق به المجاهدون . وهكذا قطع وصحبه ذلك الطريق الوعر حتى وصلوا إلى أول قبيلة « مياح » بعد طلوع الشمس بساعتين ، ونزلوا وقت العصر عند « كريم » أحد رجال هذه القبيلة ، وباتوا عنده تلك الليلة . وفي الصباح الباكر ساروا حتى وصلوا إلى « محمد الياسين » شيخ مياح ، وتأخروا عنده ذلك النهار وتلك الليلة . أما باقي العلماء الذين كانوا مع السيد مهدي فقد توجهوا إلى « قضاء الحي » ويبعد عن منطقة مياح نصف فرسخ تقريبا ، وقد كان - حتى ذلك الوقت - تحت تصرف الحكومة العثمانية . ولما علم محمد صالح شكارة أحد وجهاء الحي بنزول السيد مهدي وأصحابه عند محمد الياسين جاء من الحي وزار السيد ، وطلب منه أن يرحل معه إلى الحي ، وينزل عنده في ضيافته ، فأجابه إلى ذلك بشرط أن يمهله ذلك اليوم ليستقر ويستريح ثم يأتيه في اليوم الثاني . وفي اليوم الثاني مضوا ، ومعهم الميرزا محمد رضا الشيرازي وبقوا في الحي عنده سبعة أيام .